الخطيب الشربيني

215

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

لكتاب الله » « 1 » وقال : « فليؤمكما أكبركما » « 2 » وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين فمن قدّم في الدين قدّم في الدنيا ، وفي الحديث « ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا » « 3 » وفي الحديث : « ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه » « 4 » ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى : مَنْ وأكد بالإشارة بقوله تعالى : ذَا لأجل ما للنفوس من الشح الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ أي : يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز لأنه إذا أعطى المستحق ما له لوجه الله تعالى فكأنه أقرضه إياه قَرْضاً حَسَناً أي : طيبا خالصا مخلصا فيه متحريّا به أفضل الوجوه من غير منّ وكدر بتسويف وغيره فَيُضاعِفَهُ لَهُ أي : يؤتي أجره من عشرة إلى أكثر من سبعمئة كما ذكره في البقرة إلى ما شاء الله تعالى من الأضعاف ، وقيل : القرض الحسن أن يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال زيد بن أسلم : هو النفقة على الأهل ، وقال الحسن : التطوع بالعبادات ، وقرأ ابن عامر وعاصم بنصب الفاء بعد العين والباقون بالرفع وقرأ ابن كثير وابن عامر بغير ألف بعد الضاد وتشديد العين ، والباقون بألف بعد الضاد وتخفيف العين وَلَهُ أي : للمقرض زيادة على ذلك أَجْرٌ لا يعلم قدره إلا الله تعالى وهو معنى وصفه بقوله تعالى : كَرِيمٌ أي : حسن طيب زاك تامّ . وقوله تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 12 إلى 20 ] يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( 13 ) يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 16 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 19 ) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 20 )

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 673 ، وأبو داود في الصلاة حديث 582 ، والترمذي في الصلاة حديث 235 ، والنسائي في الإمامة حديث 780 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 980 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 630 ، 631 ، ومسلم في المساجد حديث 674 ، وأبو داود في الصلاة حديث 589 ، والترمذي في الصلاة حديث 205 ، والنسائي في الأذان حديث 634 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 979 . ( 3 ) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند 3 / 207 ، وأخرجه أبو داود في الأدب حديث 4943 ، بلفظ : « من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا » ، وأخرجه الترمذي في البر حديث 1919 ، 1920 ، 1921 ، بلفظ : « ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا » . ( 4 ) أخرجه الترمذي في البر حديث 2022 .